محمد حسين الذهبي
284
التفسير والمفسرون
والمراد منه واحد بعينه ، فيأتي المفسر فيحمله على معنى آخر من معانيه غير المعنى المراد ، وذلك كلفظ ( أمة ) فإنه يطلق على معان ، منها : الجماعة ، والطريقة المسلوكة في الدين ، والرجل الجامع لصفات الخير ، فحمله على غير معنى الطريقة المسلوكة في الدين في قوله تعالى في الآية ( 22 ) من سورة الزخرف « إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ » غير صحيح وإن احتمله اللفظ لغة . الصورة الثانية : أن يكون اللفظ موضوعا لمعنى بعينه ، ولكنه غير مراد في الآية ، وإنما المراد معنى آخر غير ما وضع له اللفظ بقرينة السياق مثلا ، فيخطئ المفسر في تعيين المعنى المراد ؛ لأنه اكتفى بظاهر اللغة ، فشرح اللفظ على معناه الوضعي ، وذلك كتفسير لفظ ( مبصرة ) في قوله تعالى في الآية ( 59 ) من سورة الإسراء « وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً . . . » بجعل مبصرة من الإبصار بالعين ، على أنها حال من الناقة ، وهذا خلاف المراد ، إذ المراد : آية واضحة « 1 » . التعارض بين التفسير المأثور والتفسير بالرأي قلنا إن التفسير بالرأي قسمان : قسم مذموم غير مقبول ، وقسم ممدوح ومقبول ، أما القسم المذموم ، فلا يعقل وجود تعارض بينه وبين المأثور ؛ لأنه ساقط من أول الأمر ، وخارج عن محيط التفسير بمعناه الصحيح . وأما التفسير بالرأي المحمود ، فهذا هو الذي يعقل التعارض بينه وبين التفسير المأثور ، وهذا هو الذي نريد أن نتكلم فيه ونعرض له بالبحث والبيان ، غير أنه يتحتم علينا - ليكون الكلام على بصيرة - أن نعرض لبيان معنى هذا التعارض فنقول :
--> ( 1 ) انظر في هذا البحث مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير ص 20 - 24 .